تدخل وول ستريت موسم أرباح الربع الثاني وهي محمّلة بتوقعات تبدو أكثر جرأة من المعتاد؛ فالمحللون يرفعون تقديرات أرباح الشركات الأميركية بأسرع وتيرة منذ مرحلة التعافي من جائحة كوفيد-19، في رهان واسع على استمرار قوة الاقتصاد الأميركي وامتداد طفرة الذكاء الاصطناعي إلى ميزانيات الشركات.
ويتوقع محللو فايننشال تايمز حالياً زيادة بنحو 25% في أرباح شركات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 خلال العام المقبل، استناداً إلى بيانات بلومبيرغ، في موجة تفاؤل دعمت صعود الأسهم الأميركية إلى مستويات قياسية، غير أن الارتفاع السريع في التقديرات بدأ يثير قلقاً متزايداً بين المستثمرين من احتمال تشكّل ما يصفه بعضهم بـ"فقاعة أرباح"، لا تقوم على تضخم التقييمات وحده، بل على افتراضات قد تكون مفرطة بشأن قدرة الشركات، خصوصاً المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، على تحويل الإنفاق الضخم إلى أرباح مستدامة.
موسم أرباح حاسم
تأتي هذه المخاوف قبل انطلاق موسم إعلان نتائج الربع الثاني في الولايات المتحدة، الذي ينظر إليه المستثمرون باعتباره اختباراً مباشراً للرواية التي قادت السوق خلال الأشهر الماضية، حيث أرباح قوية، اقتصاد صامد، وذكاء اصطناعي يعيد تشكيل هوامش شركات التكنولوجيا والرقائق والحوسبة السحابية.
ويقول خبراء استطلعت رويترز آرائهم إن المستثمرين يترقبون في الأسبوع المقبل أولى إشارات موسم الأرباح، مع نتائج شركات مثل دلتا إيرلاينز وبيبسيكو، إلى جانب محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي، في وقت أصبحت فيه أرباح الشركات "النجم الهادي" للسوق الصاعدة.
وبحسب بيانات LSEG IBES (نظام تقدير الوسطاء المؤسسيين) التي نقلتها رويترز، يُتوقع أن ترتفع أرباح شركات S&P 500 بأكثر من 24% في الربع الثاني.
وتعكس بيانات فاكت ست الصورة نفسها تقريباً؛ إذ قدّرت المؤسسة أن أرباح المؤشر سترتفع 23.3% على أساس سنوي في الربع الثاني، مقارنة بتوقعات بلغت 18.8% فقط في نهاية مارس/ آذار، وإذا تحققت هذه الزيادة، فسيكون ذلك ثاني فصل متتالٍ تتجاوز فيه أرباح المؤشر نمو 20%، وسابع فصل متتالٍ من النمو مزدوج الرقم.
الذكاء الاصطناعي يرفع السقف
كان الذكاء الاصطناعي المحرك الأبرز لهذا التحول؛ فقد قادت شركات الرقائق ومورّدو البنية التحتية السحابية والذاكرة ومعدات مراكز البيانات موجة ترقيات الأرباح، مع سباق شركات التكنولوجيا الكبرى على شراء المعالجات وبناء مراكز البيانات.
ونقلت رويترز في تقرير سابق أن أرباح شركات S&P 500 كانت في طريقها للنمو 28.2% في الربع الأول، وهي أقوى وتيرة منذ الربع الرابع من 2021، بينما ارتفعت تقديرات أرباح عام 2026 بأكمله إلى 22.6%.
وأشارت إلى أن خمسة من عمالقة الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي قد ينفقون نحو 751 مليار دولار على النفقات الرأسمالية في 2026، وفق تقديرات غولدمان ساكس.
اقرأ أيضاً: رجل وول ستريت البارز جيمي ديمون يحدد موازين سباق خلافته لقيادة جيه بي مورغان
هذا الإنفاق الضخم دعم أرباح شركات أشباه الموصلات ومزودي المعدات الكهربائية وشركات البناء المرتبطة بمراكز البيانات، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً جوهرياً: هل الطلب على الذكاء الاصطناعي كافٍ لتبرير هذا الحجم من الاستثمار؟ أم أن السوق يبالغ في تسعير أرباح مستقبلية قد لا تتحقق بالوتيرة المتوقعة؟
"فقاعة أرباح" لا "فقاعة تقييمات"
الفارق الرئيسي بين المخاوف الحالية وطفرة الإنترنت في مطلع الألفية أن السوق لا تبدو، ظاهرياً، عند مستويات تقييم قصوى.
ويتداول مؤشر S&P 500 عند نحو 20.2 مرة للأرباح المتوقعة خلال 12 شهراً، مقارنة بنحو 25.2 مرة خلال فقاعة الدوت كوم، استناداً إلى قاعدة بيانات مالية واقتصادية تاريخية عالمية توفرها مجموعة بورصة لندن LSEG Datastream، وفق رويترز.

وبحسب فايننشال تايمز هذا بالضبط ما يقلق المتشائمين، فإذا كان المقام في معادلة التقييم، أي الأرباح المتوقعة، مبالغاً فيه، فإن انخفاض مكرر الربحية قد يكون مضللاً، فقد تبدو الأسهم أقل تكلفة فقط لأن تقديرات الأرباح نفسها ارتفعت إلى مستويات يصعب الحفاظ عليها.
هذا الطرح كرره بيزنس إنسايدر نقلاً عن بيتر بيريزين، كبير الاستراتيجيين في (BCA Research)، الذي قال إن فقاعة الذكاء الاصطناعي الحالية تختلف عن الفقاعات التقليدية لأنها «فقاعة أرباح» أكثر من كونها "فقاعة تقييمات".
واعتبر بيريزين أن أرباح بعض القطاعات، وعلى رأسها أشباه الموصلات، قد تكون مدفوعة باختلالات مؤقتة بين العرض والطلب، لا بقوة دائمة في الربحية.
وول ستريت بين التفاؤل والحذر
الأسهم الأميركية حققت أداءً قوياً رغم اضطرابات الجغرافيا السياسية وارتفاع عوائد السندات.
وذكرت رويترز أن مؤشر S&P 500 ارتفع 14.9% في الربع الثاني، في أفضل أداء فصلي له منذ 2020، مدعوماً بأسهم التكنولوجيا والرقائق، بينما صعد المؤشر بأكثر من 9% منذ بداية 2026، وارتفع ناسداك 11%.
لكن الزخم بدأ يظهر عليه بعض التذبذب، فقد أشارت وول ستريت جورنال إلى أن مؤشري S&P 500 وناسداك تراجعا في كل جلسات أسبوع سابق بفعل مخاوف مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في إشارة إلى أن المستثمرين باتوا أكثر حساسية لأي علامات على تباطؤ الطلب أو ارتفاع التكاليف.
وحذرت وول ستريت جورنال في تقرير آخر من أن التدفقات الضخمة نحو الذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى إشارة إنذار، خصوصاً عندما تصبح الشركات، كمجموعة، من بائعي الأسهم أو مصدري الأوراق المالية، وهو ما يُنظر إليه أحياناً على أنه علامة على ارتفاع الأسعار أكثر من اللازم.
الفائدة تضيق هامش الخطأ
إلى جانب مخاطر الأرباح، يواجه السوق عاملاً آخر يتمثل في تغير توقعات أسعار الفائدة؛ فبدلاً من توقعات خفض الفائدة التي سادت بداية العام، انتقلت الأسواق إلى تسعير احتمالات رفعها خلال الأشهر المقبلة، بعد أن أكد الاحتياطي الفدرالي، تحت رئاسة كيفن وارش، تركيزه على إعادة التضخم إلى هدف 2%.
وقالت رويترز إن العقود الآجلة للفائدة كانت تشير أواخر الخميس إلى احتمالات متقاربة لرفع الفائدة بحلول اجتماع سبتمبر/ أيلول.
ويضغط ارتفاع الفائدة عادة على الأسهم مرتفعة النمو؛ لأنه يزيد تكلفة رأس المال ويجعل السندات أكثر جاذبية مقارنة بالأسهم. كما أنه يرفع كلفة تمويل النفقات الرأسمالية، وهي نقطة شديدة الحساسية لشركات الذكاء الاصطناعي التي تتسابق على بناء مراكز بيانات واستهلاك كميات ضخمة من الطاقة والرقائق.
اختبار الرواية الصاعدة
لا يعني ذلك أن موجة الصعود انتهت، فبعض المستثمرين يرى أن قوة الأرباح لم تعد محصورة في التكنولوجيا وحدها.
وبحسب محللو رويترز فإن جميع قطاعات S&P 500 الأحد عشر يُتوقع أن تحقق نمواً في الأرباح خلال 2026، مع استمرار الإنفاق الاستهلاكي في دعم قطاعات خارج الذكاء الاصطناعي.
غير أن اتساع التوقعات الإيجابية لا يلغي ضيق هامش الخطأ. فكلما ارتفعت تقديرات الأرباح، احتاجت الشركات إلى نتائج أقوى للحفاظ على الزخم نفسه، وأي خيبة في أرباح شركات الرقائق أو الحوسبة السحابية أو إنفاق مراكز البيانات قد تتحول سريعاً من تصحيح قطاعي إلى ضغط أوسع على السوق.
شاهد أيضاً: اكتتابات تاريخية تغير قواعد اللعبة في وول ستريت
وبذلك، لا تبدو وول ستريت أمام سؤال تقليدي حول ما إذا كانت الأسهم باهظة الثمن فقط، بل أمام سؤال أكثر تعقيداً: هل الأرباح التي تجعل هذه الأسهم تبدو قابلة للتبرير حقيقية ومستدامة، أم أنها الجزء الأكثر هشاشة في طفرة الذكاء الاصطناعي؟
ويرى خبراء أسواق المال أن الإجابة ستبدأ في الظهور مع نتائج الربع الثاني. وحتى ذلك الحين، ستظل "فقاعة الأرباح" التعبير الأكثر اختصاراً عن قلق سوق صاعدة لا تزال تحقق أرقاماً قياسية، لكنها باتت مطالبة بإثبات أن توقعاتها ليست أعلى من قدرة الشركات على الوفاء بها.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي